أبي الفرج الأصفهاني
234
الأغاني
ادعى أنه لو شاء جعل الغناء كالجوز فرد عليه إسحاق بما أخجله : حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن مالك قال حدّثني مخارق قال : غنّى علَّويه يوما بحضرة الواثق هذا الصوت : صوت من صاحب الدّهر لم يحمد تصرّفه عنا [ 1 ] وللدّهر إحلاء وإمرار - ولحنه ثقيل أوّل - فاستحسنه الواثق وطرب عليه . فقال علَّويه : واللَّه لو شئت لجعلت الغناء في أيدي الناس أكثر من الجوز ، وإسحاق حاضر بين يدي الواثق ، فتضاحك ثم قال : يا أبا الحسن ، إذا تكون قيمته مثل قيمة الجوز ، ليتك إذ قلَّلته [ 2 ] صنعت شيئا ، فكيف إذا كثّرته ! . فخجل علَّويه حتى كأنّما ألقمه إسحاق حجرا ، وما انتفع بنفسه يومئذ . ترك موعد المأمون ليذهب إلى عريب ثم غناه بما صنعاه فاستظرفه : حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني عبد اللَّه بن المعتزّ قال حدّثني عبد اللَّه الهشاميّ قال : / قال لي علَّويه : أمرنا المأمون أنّ نباكره لنصطبح ، فلقيني عبد اللَّه بن إسماعيل المراكبيّ مولى عريب ، فقال : أيها الظالم المعتدي أما ترحم ولا ترقّ ، عريب هائمة من الشّوق إليك تدعو اللَّه وتستحكمه عليك وتحلم بك في نومها في كلّ ليلة ثلاث مرّات . قال علَّويه : فقلت / أمّ الخلافة زانية ، ومضيت معه . فحين دخلت قلت : استوثق من الباب ، فأنا أعرف الناس بفضول الحجّاب ، فإذا عريب جالسة على كرسيّ تطبخ ثلاث قدور من دجاج . فلمّا رأتني قامت فعانقتني وقبّلتني وقالت : أيّ شيء تشتهي ؟ فقلت : قدرا من هذه القدور ، فأفرغت قدرا بيني وبينها فأكلنا ، ودعت بالنّبيذ فصبّت رطلا فشربت نصفه وسقتني نصفه ، فما زلت أشرب حتى كدت أن أسكر . ثم قالت : يا أبا الحسن ، غنّيت البارحة في شعر لأبي العتاهية أعجبني ، أفتسمعه منّي وتصلحه ؟ فغنّت : صوت عذيري من الإنسان لا إن جفوته صفا لي ولا إن صرت طوع يديه وإنّي لمشتاق إلى ظلّ صاحب يروق ويصفو إن كدرت عليه فصيّرناه مجلسا . وقالت : قد بقي فيه شيء ، فلم [ 3 ] أزل أنا وهي حتى أصلحناه . ثم قالت : وأحبّ أن تغنّي أنت فيه أيضا لحنا ، ففعلت . وجعلنا نشرب على اللَّحنين مليّا . ثم جاء الحجّاب فكسروا الباب واستخرجوني ، فدخلت إلى المأمون فأقبلت أرقص من أقصى الإيوان وأصفّق وأغنّي بالصوت ، فسمع المأمون والمغنّون ما لم يعرفوه فاستظرفوه ، وقال المأمون : ادن يا علَّويه وردّه [ 4 ] ، فرددته عليه سبع مرّات . فقال لي في آخرها عند قولي : يروق ويصفو إن كدرت عليه
--> [ 1 ] في « ج ، ب ، س » : « عني » . وفي « أ » ، م « : » عينا « . والظاهر أنه العناء ( بالمد ) وهو النصب والمشقة ، فقصره الشاعر . [ 2 ] في « الأصول » : « ليتك إذا قلته . . . فكيف إذا كسرته » وهو تحريف . [ 3 ] في « الأصول » : « لم أزل » بدون الفاء . [ 4 ] يقال : ردّ القول تردادا إذا كرره ، مثل ردّده .